الأبشيهي
793
المستطرف في كل فن مستظرف
الجاهلية عبد الله بن جدعان وكان جواداً من سادات قريش وذلك أنه شرب مع أمية بن أبي الصلت الثقفي فضربه على عينه فأصبحت عين أمية مخضرة فخاف عليها الذهاب فقال له عبد الله : ما بال عينك فسكت . فألح عليه فقال : ألست ضاربها بالأمس . فقال : أو بلغ مني الشراب ما أبلغ معه إلى هذا لا أشربها بعد اليوم . ثم دفع له عشرة آلاف درهم وقال : الخمر علي حرام لا أذوقها بعد اليوم أبداً . وممن حرمها في الجاهلية أيضاً قيس بن عاصم وذلك أنه سكر ذات ليلة فقام لابنته أو لأخته فهربت منه فلما أصبح سأل عنها فقيل له : أو ما علمت ما صنعت البارحة فأخبر بالقصة فحرم الخمر على نفسه وممن حرمها في الجاهلية أيضاً العباس بن مرداس وقيس بن عاصم وذلك أن قيساً شرب ذات ليلة فجعل يتناول القمر ويقول والله لا أبرح حتى أنزله ثم يثب الوثبة بعد الوثبة ويقع على وجهه فلما أصبح وأفاق قال : مالي هكذا فأخبروه بالقصة . فقال : والله لا أشربها أبداً وقيل للعباس بن مرداس : لم تركت الشراب وهو يزيد في سماحتك فقال : أكره أن أصبح سيد قومي وأمسي سفيههم . ودخل نصيب على عبد الملك بن مروان فأنشده فأعجبه إنشائه وشعره ووصله ثم دعا بالطعام فطعم منه فقال له عبد الملك : يا نصيب هل لك فيما ينادم عليه قال يا أمير المؤمنين جلدي أسود وخلقي مشوه ووجهي قبيح وتكفيني مجالستك ومؤاكلتك ولم يوصلني إلى ذلك إلا عقلي وأنا أكره أن يدخل عليه ما ينقصه فأعجبه كلامه ووصله . وقال الوليد بن عبد الملك للحجاج في وفدة وفدها عليه : هل لك في الشراب . قال يا أمير المؤمنين : لا خلاف لما أمرت ولكن أنا أمنع أهل عملي منه وأكره أن أمنعهم عن شيء ولا أمتنع فيه . وقال الله تعالى : " وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه " . " هود : 88 " . وقال تعالى : " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم " " البقرة : 44 " . وقيل لأعرابي : لم لا تشرب النبيذ فقال : لا أشرب ما يشرب عقلي . وقال الضحاك بن مزاحم لرجل : ما تصنع بشرب النبيذ قال : يهضم طعامي قال : أما أنه يهضم من دينك وعقلك أكثر قال ابن أبي أوفى لقومه حين نهوا عن الخمر : [ من الطويل ] ألا يا لقومي ليس في الخمر رفعة * فلا تقربوا منها فلست بفاعل فإني رأيت الخمر شيئاً ولم يزل * أخو الخمر دخالا لشر المنازل وقال الحسن : لو كان العقل يشترى لتغالى الناس في ثمنه فالعجب ممن يشتري بماله ما يفسده وقال عليه السلام : حب الدنيا رأس كل خطيئة والنساء حبائل الشيطان والخمر داعية إلى كل شر . وقال بعضهم : [ من الطويل ] بلوت نبيذ الخمر في كل بلدة * فليس لإخوان النبيذ حفاظ إذا دارت الأرطال أرضوك بالمنى * وإن فقدوها فالوجوه غلاظ